٠٩‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ٤:٢٩ م

محمد الياسري لوكالة مهر:

سرّ القادة العظام يُصنع بالإيمان والعلم والجهاد.. والجمهورية الإسلامية ثمرة مشروع استراتيجي طويل

سرّ القادة العظام يُصنع بالإيمان والعلم والجهاد.. والجمهورية الإسلامية ثمرة مشروع استراتيجي طويل

أكد السيد محمد الياسري أن شخصية السيد القائد الشهيد تشكلت من الإيمان والعلم والجهاد والرؤية الرسالية، وأن ثقافته الواسعة كانت أساساً في قدرته على إدارة التحديات واستشراف المستقبل.

وكالة مهر للأنباء، وردة سعد: في أعقاب التطورات الأخيرة التي أعادت تسليط الضوء على سيرة السيد القائد الشهيد ودوره في بناء الجمهورية الإسلامية، يبرز التساؤل حول العوامل التي صنعت شخصيته الاستثنائية، وحول الأبعاد الفكرية والثقافية التي وقفت خلف قدرته على إدارة أعقد التحديات، وفي هذا السياق أجرت وكالة مهر للأنباء حواراً مع العلامة والأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف والقيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامية السيد محمد الياسري، الذي قدّم قراءة معمقة في ملامح هذه الشخصية القيادية، وفي أثرها الفكري والاستراتيجي على مسيرة الجمهورية الإسلامية ومكانتها الراهنة.

الكثيرون أعادوا قراءة تاريخ ونشأة السيد القائد الشهيد بعد استشهاده للتعرف على سر هذه القوة التي تمتعت بها شخصيته في مواجهة تحديات لم يسبق لأمة أن واجهتها في العصر الحديث، فما هي عوامل هذه القوة؟ وما هي المراحل التي أوصلته إلى هذا القدر من الوعي والصلابة؟
البحث عن سر شخصية السيد القائد الشهيد لا يمكن أن يُختزل في عامل واحد، فالشخصيات التاريخية الكبرى هي نتاج تفاعل طويل بين التربية والعقيدة والعلم والتجربة والابتلاء والإيمان بالرسالة، والقوة التي أظهرها في مواجهة التحديات لم تكن وليدة ظرف معين، بل حصيلة عقود من البناء الروحي والفكري والجهادي.

لقد أسهمت التربية الإيمانية المبكرة في تشكيل شخصيته داخل بيئة علم وورع وتقوى، حيث ترسخت قيم الصبر والانضباط والشعور بالتكليف الشرعي منذ سنواته الأولى، كما أن عمقه العلمي واتساع معارفه في الفكر الإسلامي والتاريخ والثقافة والفلسفة منحاه رؤية استراتيجية مكّنته من التمييز بين الأحداث العابرة والتحولات التاريخية الكبرى.

كذلك لعبت تجربة الجهاد والمعاناة دوراً أساسياً في صقل شخصيته، فهو لم يتشكل داخل المكاتب، بل عاش الاعتقال والملاحقة والضغوط وتحمل مسؤوليات كبرى في ظروف استثنائية. كما كان لارتباطه الوثيق بمدرسة الإمام الخميني أثر بالغ في ترسيخ مفهوم القيادة الرسالية القائمة على المسؤولية والرؤية بعيدة المدى.

ومن أبرز ما ميّزه قدرته على الجمع بين الإيمان العميق والعقل الاستراتيجي، فكان ثابتاً على المبادئ ومرناً في الوسائل، إضافة إلى إيمانه بأن الصراع الحضاري طويل النفس ويحتاج إلى الصبر والتراكم لا إلى المكاسب السريعة.

أما البعد الروحي، فأراه السر الأعمق في شخصيته؛ إذ كانت علاقته بالله تعالى حاضرة في كل تفاصيل حياته، وهو ما منحه هدوءاً وثباتاً استثنائيين في أشد الأزمات، كما امتلك قدرة نادرة على تحويل المحن إلى فرص للبناء وتعزيز عناصر القوة.

وخلاصة القول إن القوة التي تجلت في شخصية السيد القائد الشهيد كانت ثمرة التربية الإيمانية، والعمق العلمي، وتجربة الجهاد، والانتماء إلى مدرسة الإمام الخميني، والثقة بالله تعالى، ولذلك فإن إعادة قراءة سيرته اليوم ليست مجرد استذكار لقائد كبير، بل دراسة لمنهج متكامل في صناعة القيادات الرسالية.

صحيح أن الحديث عن دور السيد القائد يتركز غالباً على ميادين السياسة والقيادة وبناء الجمهورية الإسلامية، لكن كثيرين يغفلون المكونات العلمية والثقافية والمعرفية لهذه الشخصية، كيف أسهمت ثقافته الخاصة في تعامله مع الأحداث المعقدة؟

أعتقد أن من أكبر الأخطاء في قراءة شخصية السيد القائد الشهيد النظر إليه بوصفه قائداً سياسياً فقط، لأن السياسة عنده كانت نتاجاً لثقافة واسعة ورؤية معرفية متكاملة، لقد كان رجل فكر قبل أن يكون رجل دولة، وكانت مواقفه السياسية انعكاساً لمنظومة فكرية عميقة لا مجرد استجابات آنية للمتغيرات.

كان ينظر إلى الثقافة باعتبارها منهجاً لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ، لا مجرد تراكم للمعلومات، ولذلك كانت قراءته للأحداث تتجاوز ظاهر الوقائع إلى جذورها الفكرية والحضارية، وكان يهتم ببناء الإنسان قبل بناء المؤسسات.

كما امتاز بجمعه بين علوم الحوزة والانفتاح على الفكر الإنساني والتاريخ والفلسفة والأدب، وهو ما منحه قدرة استثنائية على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع، من العلماء والمثقفين إلى الشباب وصناع القرار.

ومن السمات البارزة أيضاً وعيه العميق بالتاريخ وسنن الحضارات، فقد كان يقرأ تجارب الأمم والثورات والتحولات الفكرية ليستخلص منها القوانين التي تحكم صعود المجتمعات وسقوطها، كما أن اهتمامه بالأدب واللغة منح خطاباته قوة تأثير وجمالاً في التعبير، فكانت كلماته تحمل بعداً تربوياً وثقافياً إلى جانب بعدها السياسي.

وفي تعامله مع الغرب، لم يقع في فخ الانبهار أو الرفض المطلق، بل تبنى قراءة نقدية واعية تدعو إلى الاستفادة من التقدم العلمي مع الحفاظ على الهوية والاستقلال الثقافي.

لقد كانت الثقافة عنده في خدمة القرار الاستراتيجي، ولذلك جاءت كثير من مواقفه مبنية على رؤية بعيدة المدى كشفت الأحداث لاحقاً صوابها، وكان يؤمن بأن الدولة القوية لا تقوم على الاقتصاد والسلاح وحدهما، بل على الإنسان الواعي والثقافة الأصيلة.

ومن هنا فإن سر قدرته على إدارة المراحل المعقدة يعود إلى هذا التكوين العلمي والثقافي العميق الذي أنتج ما يمكن تسميته بالبصيرة، أي القدرة على رؤية ما وراء الأحداث واستشراف المستقبل بعقل العالم وبصيرة المؤمن.


إيران اليوم ليست إيران الأمس على الإطلاق، وكأن الحرب والعدوان أظهرا كوامن قوتها بما لم يتوقعه العدو وحتى كثير من الأصدقاء، هل ترون في هذه المكانة التي بلغتها الجمهورية الإسلامية بصمة خاصة للشهيد القائد؟
إن مكانة الجمهورية الإسلامية اليوم لا يمكن فهمها من خلال حدث أو معركة واحدة، بل هي نتيجة مسار تاريخي طويل من البناء والتراكم، ومن الطبيعي أن تترك القيادة التي استمرت لعقود بصمتها الواضحة في صياغة الرؤية العامة وبناء المؤسسات وتحديد الأولويات الاستراتيجية.

ولا يعني ذلك اختزال إنجازات شعب ومؤسسات كاملة في شخص واحد، لكن القيادة التاريخية تمتلك القدرة على توجيه الطاقات وتحويل الجهود المتفرقة إلى مشروع متكامل، ومن أبرز ملامح هذه البصمة ترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات والاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات العلمية والصناعية والعسكرية.

لقد كان هناك توجه استراتيجي طويل الأمد نحو تعزيز القدرات الوطنية وعدم الارتهان للخارج، مع اهتمام خاص بالجامعات ومراكز البحث والكفاءات الشابة، انطلاقاً من الإيمان بأن قوة الدولة الحقيقية تكمن فيما تستطيع إنتاجه مستقبلاً.

كما أسهمت هذه الرؤية في بناء ما يمكن تسميته بالمناعة الوطنية، أي قدرة المجتمع والدولة على الصمود أمام الضغوط والعقوبات والأزمات، وكان التفكير الاستراتيجي بعيد المدى سمة واضحة في إدارة الملفات الكبرى، حيث لم تكن القرارات محكومة بردود الأفعال الآنية بل برؤية أوسع للمستقبل.

وفي الوقت نفسه، جرى التركيز على البعد الثقافي والفكري باعتباره جزءاً أساسياً من عناصر القوة، لأن الدولة لا تستطيع المحافظة على تماسكها من دون هوية جامعة ومنظومة قيم راسخة.

ومن الإنصاف التأكيد أن مكانة الجمهورية الإسلامية هي حصيلة جهود شعب ومؤسسات وعلماء وقادة في مختلف المجالات، لكن القيادة التاريخية منحت هذا الجهد العام اتجاهاً واضحاً ورؤية متماسكة، ولذلك يمكن القول إن الأثر الأبرز للسيد القائد يتمثل في مدرسة متكاملة لبناء الدولة تقوم على الاستثمار في الإنسان وترسيخ الاستقلال وبناء المؤسسات واعتماد النفس الطويل في مواجهة التحديات.

اخيراً..
يقدم السيد محمد الياسري في هذا الحوار قراءة تتجاوز الجانب السياسي التقليدي لشخصية السيد القائد الشهيد، ليضعها في إطار مشروع حضاري متكامل تشكل عبر عقود من التربية والإيمان والعلم والجهاد، ويرى أن سر نجاح هذه التجربة يكمن في قدرتها على الجمع بين بناء الإنسان وبناء الدولة، وبين الرؤية الثقافية والقرار السياسي، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة المتغيرات، وهي، بحسب الياسري، تجربة ما زالت تقدم دروساً مهمة في صناعة القيادات وترسيخ عناصر القوة والاستقلال وبناء المستقبل.

/انتهى/

رمز الخبر 1972169

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha